محمد جمال الدين القاسمي

468

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

والتشبيه . ومع ذلك ، فإذا طالعت النصوص الواردة في كتاب اللّه وسنة رسوله أجدها نصوصا تشير إلى حقائق هذه المعاني . وأجد الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد صرح بها مخبرا عن ربه ، واصفا له بها . ثم لا أجد شيئا يعقب تلك النصوص ويؤولها كما تأولها هؤلاء الفقهاء المتكلمون . ثم قال : والذين أولوا ما أولوا ، هو أنهم ما فهموا في صفات الرب إلا ما يليق بالمخلوقين . فلذلك حرفوا الكلم عن مواضعه ، وعطلوا ما وصفه الحق به نفسه . ولو علموا أن هذه الصفات هي كلها ثابتة له ، كما يليق بجلاله وعظمته ، لا على ما نعقل من صفات المخلوقين ، لسلموا من التشبيه والتأويل المؤدي إلى التعطيل . ثم قال : ومسألة الحرف والصوت تساق هذا المساق . فإن اللّه تعالى قد تكلم بالقرآن المجيد بجميع حروفه . فقال تعالى : المص [ الأعراف : 1 ] . وقال : ق ، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ ق : 1 ] . وكذلك جاء في الحديث « 1 » : فينادي يوم القيامة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب . وفي الحديث : لا أقول ( آلم ) حرف ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف . فهؤلاء ما فهموا من كلام اللّه إلا ما فهموه من كلام المخلوقين . قالوا : إذا قلنا بالحرف فإن ذلك يؤدي إلى القول بالجوارح واللهوات . وكذلك إذا قلنا بالصوت أدى ذلك إلى الحلق والحنجرة . فعملوا بهذا من التخبيط كما عملوا فيما تقدم من الصفات . والتحقيق هو أن اللّه تعالى تكلم بالحروف كما يليق بجلاله وعظمته فإنه قادر - والقادر لا يحتاج إلى جوارح ولا إلى لهوات . وكذلك له صوت يليق به يسمع . ولا يفتقر ذلك الصوت المقدس إلى الحلق والحنجرة . فكلام اللّه كما يليق به ، وصوته كما يليق به . ولا ننفي الحرف والصوت عن كلامه سبحانه ، لافتقارهما منا إلى الجوارح واللهوات . فإنهما في جناب الحق لا يفتقران إلى ذلك . وهذا ينشرح الصدر له ويستريح الإنسان به من التعسف والتكلف بقوله : هذا عبارة عن ذلك . فإن قيل : هذا الذي يقرؤه القارئ هو عين قراءة اللّه وعين تكلمه هو ؟ قلنا : لا . بل القارئ يؤدي كلام اللّه . والكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدئا ، لا إلى من قاله مؤدّيا مبلغا . ولفظ القارئ في غير القرآن مخلوق ، وفي القرآن لا يتميز اللفظ المؤدّي عن الكلام المؤدّى عنه . ولهذا منع السلف من قول

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : التوحيد ، 32 - باب قول اللّه تعالى : وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ . ونصه : عن جابر عن عبد اللّه بن أنيس قال : سمعت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقول : يحشر اللّه العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك ، أنا الديّان .